تفسير كلمة بُرهان في القرآن الكريم .. منهج حضارة

وردت كلمة برهان في القرآن الكريم ثماني مرات في سور: البقرة، النساء، يوسف، الأنبياء، المؤمنون، النمل، القصص (2).

في سورة البقرة وردت في سياق الرد على اليهود والنصارى عندما ادعوا أنه لن يدخل الجنة غيرهم (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)

أما في سورة النساء فقد وردت في سياق الخطاب العام للناس كافة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا)

وأما في سورة يوسف فقد وردت في سياق المنِّ من الله على يوسف في الحفظ من الامتحان الرهيب الذي مر به في بيت العزيز (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) 

أما في سورة الأنبياء فقد وردت في سياق عجيب غريب للرد على من اتخذ الها من دون الله!! (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ) 

وفي سورة المؤمنون فقد جاءت لمواجهة ادعاء من يتخذ الها آخر من دون الله  دون بينة ولا برهان (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)

أما في سورة النمل فقد وردت في إطار الاستدلال أن الله وحده القادر على كل ما ذكر في هذه الأية وكل ما سبقها من الآيات، فكانت هي التعقيب الأخير (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)

ثم وردت الكلمة في سورة القصص مرتين:

الأولى وردت في سياق إقامة الحجة على فرعون (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ۖ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)

والثانية فقد وردت في سياق الحديث عن يوم القيامة وما يفعله الله عز وجل بالأمم من إقامة الحجة عليهم والطلب منهم أن يأتوا بالبينة على ادعاءاتهم التي ادَّعوها في الدنيا (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ)

رسالة الإسلام هي الرسالة الخاتمة الخالدة والتي ستبقى إلى يوم الدين، يوم الحساب والجزاء، وهذا ما أراده الله سبحانه وتعالى لحكمة يعلمها، ولذلك اختار الله الزمان والمكان و من يتشرف بحملها وأدائها والقيام بأعبائها.

فاختار لها أشرف الخلق محمدا صلى الله عليه وسلم، الصادق الأمين، ذا الخلق العظيم، واختار العرب كقوم لحمل هذه الرسالة رغم كل ما كان يحدث منهم من شرك وصراعات بين القبائل على الصغير والقطمير، فتدوم الحروب بينهم سنين طويلة من أجل فرس أو ناقة ( داحس والغبراء، البسوس) ولكن كانت هناك بعض الاستعدادات الخُلُقية من الكرم، الشجاعة، الشهامة، الفروسية، الحلم والأناة، ولم تكن هناك موانع أجتماعية وسياسية (كأنظمة ملكية استبدادية) إضافة إلى بقيةٍ من تقديس البيت الحرام والحنيفية ومراسم الحج (رغم السلوكيات الغير مقبولة التي كانت تمارس عند الكعبة) والبلاغة في اللغة العربية التي وصلت إلى أقصى إبداعاتها بالمعلقات السبع وسوق عكاظ، والذي كان يقام كمسابقة شعرية يأتي إليها العرب من كل أنحاء جزيرة العرب. أما العالم من حولهم فقد وصل إلى مستويات حضارية غير مسبوقة من الانحدار والانحطاط والتخلف.

واختار مكة البلد الحرام المحيطة بالبيت الحرام مكانا لاتصال السماء بالأرض ولتلقي وحي السماء.

وكانت جزيرة العرب تتوسط العالم القديم في ذلك الوقت وعلى اتصال وثيق به في رحلاتهم التجارية صيفا وشتاء، ويمكن اعتبارهم أقرب للتبعية السياسية لفارس بعضهم وللروم البعض الآخر وبقية القبائل على الحياد تعيش على هامش السياسة على الغارات والسلب والنهب …

أما على المستوى الجَمْعي فقد تميزت الأمم جلها إن لم يكن كلها باعتماد التقليد والتبعية للسابقين وللآخرين، وللأسياد وللحكام والسلاطين، لشيوخ العشائر والقبائل، للأحبار والرهبان والمشعوذين.. إنه إلغاء للأساس المتين الذي قام عليه حمل الأمانة منذ خلق الإنسان (وحملها الإنسان)، إنها الحرية في الاختيار والتي تقوم في الأساس على إعمال العقل للبحث عن الحق واتباعه بناء على البينة والحجة والدليل، بناء على البرهان.

هذه التبعية وهذا التقليد أديا إلى السقوط الحضاري للإنسان، فكانت الدورة الحضارية في أسفل الخط البياني لها، وعلم الله تعالى حاجة البشرية للنهوض مرة أخرى، ليبدأ المنحنى الحضاري في الصعود لخيرها وسلمها وأمانها والقيام بدورها الذي من أجله أوجدها (إني جاعل في الأرض خليفة).

هذا المنهج القائم على تحرر العقل من أدران الاستعباد لغير الله واللجوء إلى البرهان على كل جزئية في حياته، وأول ما تستقيم عليه حياة الإنسان هو ما رسخ في عقله وقلبه عن نفسه، والكون من حوله، والسؤال الذي لا بد من الإجابة عليه لمن ينتمي؟ ولمن يسلم قياد نفسه وحياته كلها؟ والإجابة يجب أن تكون قائمة على البرهان، لا على الادعاءات والافتراءات، وتقليد الآباء والأجداد….

إنه العقل الحضاري القائم على البحث والتجربة والملاحظة والاستنتاج ثم البرهان ومن ثَم التمسك به والعمل به والتضحية من أجل إقراره في اعتقاده وفي كل تفصيلة من تفصيلات حياته الشخصية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والعلمية والعملية….

و من هنا جاءت الآية الأولى في سورة البقرة (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) تتحدث عن الحدث الأعظم يوم القيامة، إنه المصير والمآل بعد البعث والنشور والحشر والحساب، إما الجنة أوالنار، إنها تتحدث عن أهل الكتاب جملة (اليهود والنصارى) وادِّعاءاتهم وافتراءاتهم على الله أنهم من أهل الجنة، وليس هذا فحسب بل الادعاء أنه لن يدخل الجنة أحد من الناس غيرهم. ولقد جمعهم الله تعالى في قول واحد رغم ما بينهما من الخلاف والتكفير لبعضهم بعضا على تقدير أن كلا منهما قد قال ذلك (أن اليهود قالوا ذلك والنصارى قالوا ذلك أيضا)، (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) ثم وصف تلك الافتراءات بالأماني ليس لها أي اساس حتى في نفوسهم، بل هو مما تحدثهم به أنفسهم، حديث التمني…

وهنا يأتي الرد الحاسم من رب العزة تبارك وتعالى على هذا الافتراء : (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، قل لهم يا محمد إن كنتم صادقين في قولكم هذا فأتوا بالدليل القاطع على ادعائكم وإلا فأنتم كاذبون.

هذا هو منهجنا في الحياة قائم على البرهان الساطع والدليل القاطع والذي لا يستطيع الخصم مواجهته ومدافعته في كل قول نقوله أو أي عمل نعمله.

ثم تأتي سورة النساء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا)   فيكون الخطاب عاما للناس ومبشرا لهم بعد الجواب الحاسم لأهل الكتاب أنهم لا برهان لهم من الكتب التي أنزلها عليهم على صدق أقوالهم فيقول تعالى أنه قد أرسل البرهان لهم، وهذا البرهان هو النبي محمد الذي اختاره ليقوم بالبلاغ المبين عن الله، وأنه تعالى قد أنزل عليه النور المبين: إنه القرآن الكريم.

هذا النبي الذي يعرفه قومه حق المعرفة وقد كان فيهم الصادق الأمين، فكيف يترك الكذب على الناس ثم يكذب على رب الناس؟!! فكيف يكون أمينا معكم ولا يكون أمينا مع رب العالمين؟!! هو من أعلى قومه شرفا ونسبا، ومن أشرفهم خُلُقا وأبهاهم خَلْقا، هو النبي الأمي الذي جاءهم بكتاب هو النور المبين (اقرأ، وبمنهج البرهان)

إنه رسول الله الذي تعرفه اليهود والنصارى كما يعرفون أبناءهم (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ۘ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ويعرفه كفار قريش حق، ولكنه الإنكار بسبب الاستكبار والحسد والبغض (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ).

وبعد أن يختار الله الرسل فهم لا يزالون في حفظه ورعايته عندما تنقطع بهم سبل الأرض وينجحون في الاختبار ويثبتون على النقاء والطهارة، فيأتيهم المدد الالهي من حيث لا يحتسبون. فهذا يوسف عليه السلام تحاصره امرأة العزيز من كل السبل وتضيق عليه حتى كاد يصل إلى مرحلة اليأس من النجاة من كيدها فجاءه البرهان من ربه ليعصمه من الوقوع في الخطأ، إنه رسول من الله وفي عصمة الله. ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ).

ثم تأتي الخطوة التالية بعد تفنيد الادعاء الأخروي، وبعثة البرهان بالنور المبين، وعصمة الرسل، بعرض واقع المشركين الذين اتخذوا آلهة من دون الله يعبدونها ويقدسونها، ويتسترون من خلفها!!!، (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ)  فيخبرنا رب العزة أن الناس قد اتخذوا آلهة من دونه سواء من البشر الملوك الذين اعتبروا أنفسهم من نسل الآلهة أو أنصاف آلهة أو من المخلوقات، أو من الحجارة، أو الشيطان…  جاءت كلمة (آلهة) نكرة لتشمل كل ما عرفنا أوما ذكره القرآن أو ماسجله المؤرخون في كتبهم عن الأمم الغابرة التي استطاعوا أن يصلوا إلى شيء  من المعرفة عنها وعن تارخها من عادات ومعتقدات.. فكان خطاب الله لرسله ولهذه الأقوام التي عبدت آلهة من دون الله هو المنهج الرباني الذي قامت به الدنيا، وبه صلاحها، إنه طلب البرهان على ألوهية ما ادَّعوه (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) وأَنَّى لهم ذلك!!

ويتقدم الخطاب الرباني مع المشركين خطوة أخرى إلى الأمام، (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) إلى الادعاء والافتراء أنه مع إقرارهم بوجود الله فإنهم يَدْعون معه إلها آخر بدون دليل ولا برهان عليه، ومن يفعل ذلك فسوف يواجه الحساب المكافئ عند الله سواء في الدنيا أو في الآخرة. ومرة أخرى، إن كان لكم برهان على افتراءاتكم فأتوا به، فالبرهان بيننا وبينكم، وإلا فانتظروا ما سينالكم من الجزاء والحساب… فلا فلاح للكافرين ولا نجاح للكاذبين المفترين.

ثم ينتقل القرآن الكريم إلى أسلوب أكثر وضوحا ومغايرا لما سبق (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) بأن يقدم الأدلة الدامغة والبراهين المعجزة على ألوهيته وحده دون شريك قبل أن يواجههم بالاستنكار الشديد على البهتان المستقبح الذي يتشدقون به أنَّ هناك إلها مع الله (سبحانه وتعالى عما يقولون) وذلك أن يقدموا في مقابل البرهان الإلهي أنه هو من بدأ خلق الإنسان وهو القادر على إعادة الخلق مرة أخرى يوم  القيامة (كما بدأنا أول خلق نعيده) وهو لم يَكِلِ هذا المخلوق الضعيف لنفسه في الرزق بل هيّأ  له أسبابه من السماء والأرض، فيأتي بالغيث والماء من السماء وبالنبات من الأرض وكذلك بالحيوان الذي يقتات على ما جادت به الأرض، وكل ذلك رزقا من الله وتفضلا على عباده وخلقه.

ثم يعود ألقرآن إلى تأييد الرسل ممثلين هذه المرة بالرسول الكريم كليم الله موسى، ولكن هذه المرة في إطار آخر، إنه الإطار الإعجازي، إنها المعجزة التي سيواجه بها النبي موسى عليه السلام فرعون مصر، الطاغية المتجبر المتأله على الناس، والذي وصل به الأمر إلى ادعاء الألوهية (ما علمت لكم من إله غيري) فقال تعالى (…فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين).

إنهما برهانان من الله وهما:

الأول: العصا والتي تتحول إلى ثعبان مبين عندما يلقيها موسى ثم تعود سيرتها الأولى (العصا) عندما يعود موسى فيلتقطها.

أما الثاني: فهو اليد (يد موسى) عندما يدخلها في فتحة جيبه ويخرجها تصبح بيضاء نقية مشعة من شدة البياض وعندما يدخلها في جيبه مرة أخرى تعود كما كانت.

فتوجهْ يا موسى إلى هذا الطاغية بهذه البراهين الدامغة على وحدانيىة الله وأنه لا شريك له ولا نِدَّ له، وادعه وملأَه إلى عبادة الله والرجوع عن غيه، وعن استعباده للناس بادعائه الألوهية كذبا وبهتانا…

ثم تكون الخاتمة بمشهد رهيب مهيب، ترتعش منه الأبدان وتتفطر منه القلوب، إنه الموقف المهول والذي فيه

(تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها)، ثم يأتي مشهد آخرأشد على الناس كل الناس (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ)، ونزعنا، ما أقساه من تصوير للحدث العظيم، والذي هو مقدمة لما سيتلوه من نهاية، فالله ينزع الرسل من أقوامها وأممها ثم يتوجه لهم بالسؤال الواحد للجميع: هل بلغتم عبادي رسالتي إليهم أن يعبدوني لا يشركون بي شيئا؟ فيقوم الرسل بالشهادة كل على قومه أن قد بَلَّغ رسالة ربه، والله أعلم بهم، ولكن الله يريد أن يقول للأمم كلها أنِّي قد جئتكم بالبرهان، والآن قد حان دوركم، فأين برهانكم، هاتوا برهانكم على ما أشركتم بي في الحياة الدنيا، هذا هو الفيصل اليوم: البرهان، ولكنْ لا برهان لهم، وضل عنهم ما كانوا يفترون، ذهب الأدعياء، وماد الشركاء، وخشعت الأصوات، فالملك يومئذ لله، يحكم بين عباده بالحق وخسر هنالك المبطلون.

صدق الله العظيم حين يقول (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ولكنه كتاب الله المجيد وحبله المتين الذي فصله تفصيلا، وجعله في اللوح المحفوظ مصونا مكنونا، ونزله على الناس على مكثٍ وتكفل بحفظه إلى قيام الساعة ليكون للعالمين نورا وهاديا ومبشرا ونذيرا.

هذا هو الانسجام الكامل من أول آية إلى آخر آية وردت فيها كلمة برهان في سور مختلفة، نزلت في أوقات مختلفة على مدى سنين عديدة، سبحانه هو الواحد القهار، العليم الحكيم، الرحمن الرحيم.

هذا قبس من المنهاج الرباني الذي جعله للناس نبراسا لصلاحهم، وعمران حياتهم، وقيام الحضارة المبنية على القيم والمعايير الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية المستمدة من كتاب الله وهدي رسله وأنبيائه.

فائدة لغوية:

 برهان: مفرد والجمع براهين:

ورد في معجم اللغة العربية المعاصرة أن كلمة برهان تعني:  حُجّة بَيِّنة فاصِلة واضحة أو هو: قياس مُؤلَّف من مُقدِّمات يقينيَّة وينتهي تبعًا لذلك إلى نتائج يقينيّة،ٍ أو ما يُثْبِتُ قضيّة من مُقدِّمات مُسَلَّم بها.

وفي معجم الفروق اللغوية:

الفرق بين البرهان والدليل

البرهان: الحجة القاطعة المفيده للعلم.، وأما ما يفيد الظن فهو الدليل. ويقرب منه: الأمارة. ولذا أفحم سبحانه الكفار بطلب البرهان منهم فقال وهو أصدق القائلين: ” قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين”

كتابة: الأستاذ محمود البرهان

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *