معنى كلمة يعقلون في القرآن الكريم.. نور من قبس القرآن (2)

المجموعة الثانية من الآيات: صفات  القرآن: يوسف 2، الأنبياء 10، الزخرف 3

مع الآية 2 من سورة يوسف: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) تأتي هذه الآية بعد الآية الأولى (الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) والتي تتحدث عن القرآن الكريم بوصفه بالكتاب المبين، فهو مكتوب وليس مقروءا فقط، وهو مكنون في اللوح المحفوظ، وهو المبين، الواضح الجلي، الكاشف الشارح، فهو بيِّنٌ في ذاته مُبينٌ عن نفسه، ثم جاءت هذه الآية (الثانية) لتتحدث عن نزول الكتاب والذي هوالقرآن الكريم، وتبدأ الآية بحرف التوكيد (إنَّ) لمزيد من التأكيد للسامعين من الناس، سواء المخاطبين مباشرة وقت نزول القرآن من قريش خاصة والعرب عامة، أو لكل الناس الذين سيصلهم هذا الكتاب الكريم فيما بعد، ثم (أنزلناه) فالله العلي العظيم هوالمُنزِل، والمُنزَل هو القرآن، وكلمة (قرآنا) إما أنها حال من الضمير (الهاء) في كلمة أنزلناه، أو أنها بدل منه، أما الرسول الذي حمل هذا القرآن من السماء إلى الأرض فهو أكرم الملائكة جبريل عليه السلام، والمنزَّل عليه هو أشرف الخلق أجمعين محمد صلوات ربي وسلامه عليه، خير من وَطِئ الثرى، في أطهر بقعة على وجه الأرض، البيت الحرام في البلد الحرام، في خير الشهور رمضان في خير الليالي (خير من ألف شهر) ليلة القدر، فأي تشريف وتعظيم لهذا الكتاب الخاتَم على الرسول الخاتَم! وهو مع كل ما سبق (وهو قليل في حق هذا الكتاب الكريم) (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) وهي صفة جليلة لهذا الكتاب وتشريف لهذه اللغة أن كان عربيا، وسنة الله في الرسل جميعا أن يكون الكتاب بلسان قوم الرسول (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) والنبي صلى الله عليه وسلم هو نبي عربي، فاقتضت سنة الله أن يكون القرآن بلسان عربي مبين، وبخلاف الرسل السابقين الذين أيدهم الله تعالى بمعجزات بالإضافة للكتاب المنزل إليهم، فقد اختار الله تعالى أن يكون الكتاب هو المعجزة الخالدة. نزل هذا القرآن في وقت بلغت فيه اللغة العربية شأنا عظيما، حيث كانت الأسواق الشعرية تُعقد كل عام يتسابقون في قرظ الشعر، ويعلقون أبلغها بماء الذهب في الكعبة، فنزل يتحداهم في أعظم تجلياتهم، (قرآنا عربيا) ويقول لهم (فأتوا بسورة من مثله) وليزيد التحدي (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)، هي اللغة الأغنى بين لغات الأرض بمفرداتها التي تزيد عن اللغة التالية لها (الإنجليزية) ب 25 مرة وذلك دون تكرار(العربية 1،200،000 والإنجليزية 600،000) أما الفرنسية فلا تزيد عن 150،000 كلمة. ثم يأتي التعقيب على هذه الكلمات القليلة الموجزة المعجزة (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وهذه علة إنزاله بهذه اللغة القادرة على أن تكون وعاء لهذا الإعجاز الرباني الخالد، إنه نزل بلغتكم أيها العرب لكي تتدبروا أياته ومعانيه، وبلاغته وفصاحته المعجزة لكم والتي وقفتم أمامها مذهولين مدهوشين خاضعين، فاعقلوا وآمنوا خيرا لكم، هو الخير لكم في الدنيا والآخرة، وهو رفع لذكركم وشأنكم بين الناس (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ).

وإلى الآية 10 من سورةالأنبياء: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) في هذه الآية تأكيد على ما انتهى الحديث فيه في الآية السابقة أعلاه، فأنتم إذا عدتم إلى الوراء قليلا، قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، ونظرتم في مكانتكم بين الأمم، كيف كانت؟ كيف أنتم بالنسبة للفرس؟ وما مكانتكم بالنسبة للروم، ولحضارة اليمن والأحباش؟ أما من اليوم فصاعدا فلكم شأن آخر، إنه كتاب الله المجيد والذي سيتبعه الأبيض والأسود، في كل بقاع الأرض، والذي لا يكون قرآنا إلا إذا قرئ باللسان العربي، لسانكم، وكل مع عدا ذلك فهو ترجمة لمعاني القرآن، فكل هذه الرفعة والمكانة بين الأمم التي تعرفونها، والتي لم تسمعوا بها بعد، تستحق منكم أن تؤمنوا بالله وبرسوله وبكتابه، فما لكم لا تعقلون؟

ومع الآية 10 من سورة الزخرف: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) تأتي هذه الآية بعد القسم بالكتاب المبين (والكتاب المببن) وهو القرآن الكريم أو مجموع الكتب السماوية مشمولا فيها القرآن، والآية هي جواب القسم، فيكون المقسَم به والمقسَم عليه واحد وهو القرآن، مما يرفع من شأنه ويعظمه، والجعل: الإيجاد والتكوين أو هو الصيرورة، وعلى كل الأحوال فالله تبارك وتعالى قد جعله قرآنا من المبالغة  في القراءة، بمعنى أن الناس سيكثرون من قراءته على مر الزمان، في صلاتهم وفي كل أحوالهم، فهو الذكر الحكيم، وأشرف الذكر تلاوة القرآن، وليس هذا فقط فقد جعله الله عربيا، وسبق الحديث عن هذا الأمر في الآية السابقة أعلاه من سورة يوسف، وهذا من أجل الاعتبار والفهم والإدراك، وكما أكدنا سابقا أن الله تعالى يريد التأكيد على منهجية الفهم والتفكير لبناء صرح الكرامة الإنسانية للبشرية جمعاء من خلال جعل القرآن دستورا خالدا بحفظه له (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). أما إذا لم تفعلوا فهذا يعني أنكم لا تعقلون، وأنكم قد جحدتم نعمة ربكم التي أولاكم إياها، ألا وهي نعمة العقل والفهم والإدراك، وعدتم كالأنعام، بل أضل سبيلا.

وننتقل الآن إلى المجموعة الثالثة من الآيات:

ضرب الأمثال: البقرة 171، الأنفال 22، العنكبوت 43، الروم 28

تكرر ضرب الأمثال كثيرا في القرآن من أجل تقريب بعض الأمور للأفهام، ولأخذ العبرة، أو للوعظ والنصيحة الغير مباشرة، حيث إنها من الأساليب المحببة للنفوس، لكونها شبيهة بالقصص التي يحب الناس الاستماع إليها، ولأنها تنتقل بهم لجزء من عالم الخيال والتصورات التي يحب كل واحد أن يعيشها أويتخيلها على الأقل، والمَثَل بمعنى المِثْل والنظير والشبيه، وسنستعرض في هذه المجموعة بعض الأمثال التي تضمنت غرضا عاما وهو حث المخاطبين على إعمال العقل كأبرز ميزة منحها الله للإنسان وأكرمه بها على سائر خلقه.

ومع الآية 171 من سورة البقرة: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) والمثل هنا هو لمن يرفض رفضا قاطعا إعمال عقله في كل ما يدور حوله من الدعوات والتنبيهات والمعجزات التي تستنقظه من وهاد الضلال وظلمات الجهالة والكفر إلى رحاب النور والهداية وصلاح الحياة الدنيا وحسن العاقبة في الآخرة، فهؤلاء مثلهم كمثل الراعي الذي يصيح على ما يرعاه من الدواب الموكول بها ليطعمها ويسقيها ويعتني بها، فهي تسمع صوته معتادة عليه فتتبعه دون تفكير في فحواه، فهي لا تعقل ما يقول لها ولكنها تسير وراءه إلى حيث يقودها إلى الطعام أو الشراب، وكلمة ينعق بمعنى يصيح، والدعاء والنداء بمعنى أن هذه الدواب تفهم من صياحه أنه نداء لها لتتبعه، أو لتبتعد عن المكان الذي يحاول أن يبعدها عنه، وجمهور المفسرين على أن الراعي هو الرسول (الرسل) وأصحابه الذين يسيرون على نهجه بدعوة الناس، والدواب هم المشركون الذين يتوجه إليهم الرسل وأتباعهم بالدعوة، والحدث هو أن الرسول يدعو هؤلاء المشركين إلى الله، ويسمعهم القرآن، ويبين لهم الآيات الدالة على وحدانية الله، ويحثهم على ترك ما هم فيه من الشرك وعبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تعقل، ولكنهم أبوا أن يقبلوا هذه الدعوة وجابهوها بكل الصلف والكبر والعناد، بل ولم يتورعوا عن الإيذاء والادعاءات الباطلة في حق الرسول والمؤمنين، وزادوا على ذلك بأن أغلقوا كل الإمكانات والنعم التي وهبها الله لهم لتكون مصدرا للفهم والعقل والتفكير، فصمُّوا آذانهم عن استماع الحق، وكمَّموا أفواههم عن قول الحق والحوار المؤدي إلى فهم الحقيقة الإيمانية الخالدة، وأغمضوا عيونهم عن رؤية كل المعجزات الدالة على آيات الله في خلقه، كل ذلك عن إرادة واعية لرفض الإيمان بالله الواحد الأحد، فهم جعلوا من أنفسهم صما وبكما وعميا، والنتيجة الحتمية لذلك (فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).

ومع الآية 22 من سورة الأنفال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) والتي تأتي وكأنها تعقيب مباشر على الآية السابقة أعلاه، (رغم أن الأولى جاءت في سورة البقرة والثانية في سورة الأنفال)، فالحديث هنا عن جماعة من الناس لهم صفات معينة مذكورة في هذه الآية، هذه الجماعة والذين نزلت فيهم هذه  الآية هم من بني عبد الدار من قريش، قالوا نحن صُمٌّ وبُكْمٌ فلا نسمع شيئا مما يقوله محمد (َص)، فنزلت هذه الآية ردا عليهم، وزادت على ما قالوه عن أنفسهم أنهم (لَا يَعْقِلُونَ)، فما هو المثل الذي شبههم به في هذه الآية؟ يقرر القرآن أن شر الدواب، وكلمة الدواب هي جمع دابة وهي كل ما يدب على الأرض من المخلوقات بكافة أنواعها العاقلة وغير العاقلة، وهذا يشمل الإنسان، فإذا اعتبرنا الحيوانات فقط والتي لا تعقل ما تسمع كما أشرنا في الآية السابقة أعلاه، فأسوأ وأشر هذه الحيوانات هي التي فقدت حاسة السمع، وبالتالي غير قادرة حتى على إصدار الأصوات، ونتيجة لذلك فإن هؤلاء الناس الذين ارتضوا أن يكونوا صما وبكما فإن حالهم هو كحال أشر الحيوانات، بل أشر منها لأنهم رفضوا استقبال وسماع ما يمكِّنهم من الفهم والعقل، فأصبحوا (لَا يَعْقِلُونَ).

وإلى سورة العنكبوت الآية 43: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) تأتي هذه الآية تعقيبا على ضرب مجموعة من الأمثال لمشركي مكة لبيان وتوضيح أن ما يعبدون من الأوثان من دون الله إنما هو أوهن من بيت العنكبوت، وأهون على الله من الذباب والبعوض، وهي الأمثال التي جاءت سابقا في القرآن، وسمعها أهل مكة والمشركون من العرب وكذلك أهل الكتاب، فاستكبروا وعاندوا واستمروا على الاستهزاء والسخرية من الرسول ومن المسلمين، فجاءت هذه الآية لبيان جهلهم الفاضح وعدم فهمهم وغياب عقولهم، لأن هذه الأمثال لا يدرك حقيقتها ومعانيها ومراميها إلا من امتلك علما يستطيع به أن يدرك الحقائق الكامنة في الإعجاز في هذه المخلوقات كبيرها وصغيرها، والعالمون هنا مفتوحة على كل العلوم وعلى مر الزمان، وها نحن نعيش اليوم على حافة انهيار المنظومة الاقتصادية العالمية بسبب كائن لا نراه إلا بالمجهر الالكتروني، وليس فقط بعوضا، ولم نستطع السيطرة عليه بعد، ولم نصل حتى إلى حقيقة منشئه وكيف يمكن أن يتصرف بعدُ، فأجدر بهؤلاء العلماء العالمون بتفاصيل علمهم أن يصلوا إلى عظمة الخالق فيخضعوا له ويؤمنوا به، أما وإذ لم يفعلوا، فلا خلاف بينهم وبين من لا يعقل على مر الزمان.

ونصل إلى الآية الأخيرة من هذه  المجموعة، الآية 28 من سورة الروم: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ۖ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)

تأتي هذه الآية بَمثَلٍ مفصل تفصيلا بينا جليا لكل ذي لُب، ولا تترك مجالا للمراء والمعاندة والمكابرة، فهو مَثَلٌ حي يعيشونه كل يوم في حياتهم اليومية الاجتماعية والاقتصادية، ويعيشه الناس اليوم في العالم كله بشكل أو بآخر كما سنرى، هنا يضرب الله مثلا للناس ممثلين في حينه بمشركي مكة من واقع حياتهم الاجتماعية، حيث كان العبيد والإماء يمثلون طبقة واضحة المعالم مقابل السادة الذين كانو يملكونهم سواء بيعا وشراء أو هبة، والمثل هنا لم يأت على صيغة الخبر والذي يمكن لأهل مكة أو أمثالهم أن يقولوا عنه إنه صحيح أو خطأ، بل جاء بأسلوب إنشائي بصيغة الاستفهام، والذي لا يملكون أمام وضوح الحجة فيه إلا أن يقولوا أنه صحيح، ولو بينهم وبين أنفسهم، والتفصيل هو: هل أنكم تُشركون عبيدكم الذين تملكونهم في أموالكم التي رزقكم الله إياها، وتتساوون معهم في حرية التصرف فيها، وتحسبون لهم حسابا إذا ما أردتم أن تفعلوا شيئا فيها خوفا من رفضهم ذلك التصرف أو الفعل؟ هل تفعلون هذا؟ والجوا ب الأكيد منهم: لا ، فإذا كان هذا جوابكم وأنتم وعبيدكم بشر متساوون في أصل الخلق، ومن الممكن في أي وقت أن ينال أحدهم حريته لأي سبب كان، فيصبح سيدا مثلكم، فكيف تفترون ذلك على الله، الخالق الرازق، وتدَّعون أن هذه الحجارة التي تنحتونها، وهي جزء صغير من خلق الله أصبحت شريكة له؟ بل إنكم تقولون في طوافكم حول الكعبة: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فإذا كنتم لا تقبلون مشاركة عبيدكم لأنفسكم فكيف ترضونها لله؟ ما لكم كيف تحكمون؟ كهذا المثل وغيره كثير في القرآن الكريم، قد فصلها الله تفصيلا لمن كان له عقل يدرك ويفهم ما يسمع  من النبي من الذكر الحكيم، فأعيدوا النظر في موقفكم من رسالة الإسلام، وأعملوا عقولكم مرة ومرة، وستصلون إلى أن ما جاءكم به رسولكم هو الحق المبين.

وننتقل إلى المجموعة الرابعة من الآيات:

حوار الأنبياء مع أقوامهم: هود 51، الأنبياء 67، الشعراء 28

ومع الآية 51 من سورة هود: (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) تأتي هذه الآية استكمالا للآية السابقة لها والتي بدأت الحوار بين نبي الله هود وقومه، (وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) القرآن يبدأ في رواية ما حدث بين هود وقومه، فقدَّم له بأسلوب محبب إلى النفوس، وهو أن هوداً من قومه وليس طارئا عليهم، وهذه سنة الله في الرسل، هو منهم يعرفونه حق المعرفة، يعرفون ماضيه وحاضره، والقرآن يذكر هنا أنه أخوهم توددا إليهم، وحتى يكون أقرب لقبول الاستماع وإمكانية قبول الدعوة الجديدة التي أتاهم بها، والدعوة هي ما دعا كل رسول قومه إليها، هي توحيد الألوهية، (لا إله إلا الله)، فاعبدوه لأنه المتفرد بالألوهية، وعلى هذا فكل الآلهة التي تدَّعون، ويدَّعيها كل المشركين على مر الأزمان هي افتراء على الله، ويدور حوار بين هود وقومه، وتكون هناك ادعاءات من قوم هود، وكما هو ديدن الأقوام أيضا، فقد اتهموه بأنه يريد مالا ورزقا أو سيادة، فتكون إجابة نبي الله هود، وبالأسلوب القريب إلى نفوسهم، (يَا قَوْمِ) لأنه ما زال يرجو إيمانهم، ويأمل أن يشملهم الله برحمته، يا قوم لا أرجو على قيامي بهذه المهمة التي شرفني الله بحملها لكم أي أجر أو رزق أو مال أو جاه، لأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، كل ما أرجوه لكم الهداية، فأجري على من أرسلني إليكم، أجري على من خلقني، وما دمتم قومي فقد خلقكم كذلك، وهنا يذكرهم بخالقهم، فانظروا في كل هذا، حياتي بينكم، خلقكم، رزقكم، فكروا واعقلوا وعودوا إليه، وهو عتاب لهم على عدم إعمال عقولهم، ورجاء أن يفيئوا إلى خالقهم، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ).

وهذا درس ومنهج في الحوار على أتباع الرسل من المؤمنين، والمثقفين والمفكرين أن يجعلوه سبيلهم في إعادة بناء الصرح الحضاري المرتجى والمرتقب.

وإلى الآية 67 من سورة الأنبياء: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) تأتي هذه الآية في ختام حوار إبراهيم مع قومه على مدى 16 آية من سورة الأنبياء، مر فيها بمراحل مختلفة، بدءا من الحوار الهادئ كما رأينا في الآية السابقة مع النبي هود عليه السلام، ثم إقامة الحجج البينة، شاملا ذلك أسلوبا عمليا كوسيلة لإقامة الحجة الأخيرة عليهم عندما حطم الأصنام عدا كبيرهم، حتى وصل إلى المفاصلة بينه وبينهم، ولم يعد أمامهم من سبيل للاستمرار في الحوار معه، وهو هنا يعلن غضبه وضجره من استمرارهم في العناد دون تفكير رغم وضوح الحجة القاهرة أمامهم، فكبير الأصنام لم يدفع عن بقيتها ما أصابها من التحطيم، ولم يتكلم عمَّن فعل ذلك بها، فهو حجر لا يسمع و لا يتكلم، ولا ينفع ولا يضر، وهنا يعلنها لهم لقد ضجرت من خفة عقولكم وسخافة منطقكم، وبعدَها لا يملك الطغاة إلا إسكات هذا الصوت المزلزل لهم ولجهلهم، فيقررون إحراقه بنار عظيمة أشعلوها لهذا الغرض، إن هذا يعبر بشكل قاطع على هزيمتهم أمام الحجة البالغة التي أقامها إبراهيم عليهم، إنهم يستحقون غضبه منهم، وتوبيخه لهم، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ).

ومع الآية 28 من سورة الشعراء وهي الأخيرة في هذه المجموعة: (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) حقا إنه الكتاب المبين المعجز، فهذه الآيات الثلاث بهذا الترتيب تتحدث عن ثلاثة من الأنبياء على الترتيب الزمني لهم، هود ثم إبراهيم ثم موسى، وتتحدث عن الحوار في ثلاث مراحل، البداية، والنهاية، والمرحلة الأخيرة من الحوار قبل البدء في الآيات العظام والتي ستنتهي بإهلاك فرعون غرقا، فالحوار في سورة الشعراء يبدأ (كما ذكرت ذلك الآيات التي سبقت هذه الآية) بالتوجه إلى فرعون كما أمره رب العزة، ويقدم موسى الحجج واحدة تلو الأخرى، بادئا بكون الله خالق السماوات والأرض وما بينهما، ويستنكر فرعون ذلك، فينتقل موسى إلى مرحلة أكبر مخاطبا موسى ومن معه، إنه الله ربكم ورب آبائكم الأولين (وليس فرعون) فيتهمه فرعون بالجنون، وهذه مرة أخرى سنة المستكبرين في اتهام الأنبياء بالجنون، وخروجا من الجدل يأتي موسى بالحجة الدامغة لهم، مستثيرا فيهم عقولهم التي طرحوها جانبا ردحا طويلا من الزمن، إن الله هو رب المشرق والمغرب وما بينهما، إنه خالق هاتين الظاهرتين، الشروق والغروب الدائبين، والتسلسل الزمني بينهما من حركة الشمس من الشرق إلى الغرب مرورا بكل الأوقات الناتجة عن ذلك، أو المشرق والمغرب المكاني وما بينهما، والأول أظهر للحجة، وهذا كما قال نبي الله إبراهيم للملك المتجبر: (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر) وهنا أيضا يبهت فرعون، ولا تبقى له حجة يحاور بها موسى، فيلجأ للقوة والقهر والظلم، فيهدد موسى بالسجن والعذاب. وبعد ذلك تبدأ سلسلة الآيات الكبرى (في تسع آيات إلى فرعون وقومه). مرة أخرى، إنه درس آخر للدعاة والمفكرين لمقارعة المكذبين.

الجزء الرابع

خامسا: الأحكام الشرعية وبيانها: البقرة 242، المائدة 103، الأنعام 151، النور 61

ومع الآية الأولى من هذه المجموعة ومع سورة البقرة 242: (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)

تأتي هذه الآية تعقيبا على مجموعة كبيرة من أحكام الأسرة المتعلقة بالزواج والطلاق، والعلاقات التي تحكم بعض تفاصيلهما، والله تعالى يقول كذلك يبين الأيات، فهي أحكام واضحة بينة جلية فيها من الحكمة والرحمة، والتراحم والتكافل، وحفظ الكرامة لكل من الزوج والزوجة والأبناء والعلاقات الاجتماعية ما يمكن لكل ذي عقل سليم أن يتبينها ويدركها ويفهمها، فيعرف ما فيها من الخير للمجتمع وللفرد، ويدرك ما يمكن أن يقع من الشرور والآثام والظلم إذا ما ابتعدنا عنها ولم نتمسك بها وبروحها، فبيان الآيات بهذا الشكل المبين هو من أجل الفهم والعقل، من أجل تمييز الخير من الشر، الصواب من الخطأ، الرحمة من الغلظة والقسوة، فيكون التمسك بهذه الأحكام قائما على الاقتناع الكامل بأن ما أحله الله فيه من الخير العميم ما يحفظ به كيان الإنسان والمجتمع، وأن ما حرمه الله فيه من المفاسد ما يطيح بهذا الكيان الاجتماعي والنفسي للفرد والمجتمع، فيُقبِل الجميع على التمسك بالشرائع والأحكام بنفوس مطمئنة واثقة بالله تعالى وبآياته، مع  الخير الجزيل في آخرتنا بإذن الله.

ومع الآية 103 من سورة المائدة: (مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ) إذا كانت الآية الأولى من هذه المجموعة (البقرة 242) تحدثت عن جانب من الحياة الاجتماعية (العلاقات الأسرية) فهذه الآية تتحدث عن جانب آخر وهو الجانب الاقتصادي المتعلق بالثروة الحيوانية، وارتباطه بالجانب الديني، فهم عمدوا إلى جزء من الأنعام وغيروا التعامل معه على النحو المفصل لاحقا، وقالوا إن الله أمرهم بذلك.

عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة من الإبل: يُمنَع دَرُّها للطواغيت، والسائبة من الإبل: كانوا يُسيبونها لطواغيتهم، والوصيلة: كانت الناقة تبكر بالأنثى، ثم تثني بالأنثى فيسمونها الوصيلة، يقولون: وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر، فكانوا يذبحونها لطواغيتهم، والحامي: الفحل من الإبل كان يضرب الضراب المعدود (أي يقوم بتلقيح عدد من  النوق) فإذا بلغ ذلك يقال: حمي ظهره، فيُترَك فيسمونه الحامي.

والبحيرة لغة: هي الناقة إذا شُقَّت أذنها واسعا، وهناك العديد من الروايات والأسباب التي من أجلها كانت تُبحر الأنعام، أو تُسيب، أو تُجعل وصيلة أو تُعتَبر حاميا، وذلك تبعا للقبائل أو الأزمان التي مرت منذ بدء هذا الانحراف عن ملة إبراهيم واسماعيل حتى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد بدأت هذه الآية بالنفي (ما) لتقرير حقيقة أن كل ما سيأتي ليس من الله، ثم الفعل (جَعَلَ) والذي يدل على التحويل، وقد تحدث الشعراوي كلاما جميلا في هذا المقام فحواه أن الجعل يختلف عن الخلق والذي يعني بدء الإنشاء من العدم، فقد خلق الله الأنعام، وجعلها مسخرة لأهداف محددة لخدمة الإنسان، وجعلها بفطرتها راضية قانعة قائمة بما جعلها الله له، فبعضها للركوب، وبعضها للطعام وبعضها لأغراض متعددة، وكلها منقادة للإنسان بما أودع الله فيها من الفطرة والقوانين، وبما علَّم الإنسان من طرائق للانتفاع بها، ولكن الإنسان عندما يمتد به الزمن ويبتعد عن منهج االله الذي جاءت به االرسل فإنه يطغى ويخرج على شرائع الله، ويتبع حبائل الشيطان ووساوسه، بل وينسب إلى الله هذا الانحراف البين، فالله ما جعل هذه الأسماء، ولا أنزلها على رسله، ولكنه الافتراء والكذب الصراح، إنهم كبراؤكم (ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ) الذين جعلوا هذه الافتراءات، لكي يتمادوا في استعباد الناس من وراء هذه الأصنام، والادعاء أن الله قال ذلك، ولقد حرصت طبقة الكهان على تقديس هذه الطقوس بين الناس للمحافظة على مكتسابتهم ومكانتهم، ورغم شيوع هذه الآفة والظاهرة بين الناس، فقد اقتضى العدل الإلهي أن يقر للقليل منهم الذين كانوا لا يقرون بذلك ويرفضونه فجاء قوله تعالى (وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ)، فالغالبية منهم لم تُعمل عقولها ولم تفكر أن كل ما يدعونه هو إهدار لجزء من  الثروة التي ملَّكهم الله إياها، بل ويمكن النظر إليه أنه نوع من عدم الوفاء لهذه الحيوانات التي خدمتهم طويلا فهم يتركونها دون رعاية من طعام أو شراب أو حماية من السباع، حقا إن أكثرهم لا يعقلون. وهكذا نرى أن أي خروج عن منهج الله هو إفساد لما سن الله من القوانين التي تحكم العلاقات بين الكائنات الحية، وبين الإنسان (المكرم من الله) وبين مخلوقاته (المسخرة له) مصداقا لقوله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس).

وإلى سورة الأنعام الآية 151 ((قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) تأتي هذه الآية بعد الآية السابقة أعلاه والتي بينت جانبا من الانحراف والافتئات على الله ما لم يحرمه، وليقول لهم: إن ادعيتم أنني حرمت شيئا لم أحرمه، فإنني الآن أعلمكم بما حرمت عليكم على وجه الحقيقة، وهو لو فكرتم ستجدون أن فيه الخير والصلاح لكم في كل أمور حياتكم، فلا تضيعوا أنفسكم دون إعمال العقول، ولا تتبعوا أهواءكم وتقلدوا آباءكم فيما ليس لكم به علم أوأثارة من عقل أوفهم أو فكر.

والخطاب المباشر للنبي صلى الله عليه  وسلم بقوله تعالى (قُلْ) وقد تكرر مثيله كثيرا في القرآن الكريم، للتأكيد مرة بعد مرة أن الرسول هو مبلغ عن الله، في أدق الكلمات وأقلها حرفا (قُلْ) فلا يُخفي شيئا، فهي الأمانة العظيمة في البلاغ (يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) ثم يأتي النداء للناس كلهم، (تعالوا) وهي في أصلها نداء ممن هو أعلى لمن هم دونه في المكان ثم استخدمت هنا معنويا، بمعنى أن الرسول هو في المكانة الأرفع والأعلى والذين لا يعلمون هم من سيرتفعون إليه إن هم أجابوه إلى قبول دعوة التوحيد والإسلام، وترغيبا للناس في قبول الرسالة التي سيبلغهم إياها عن الله قال لهم: تعالوا (أَتْلُ) أي أقرأ عليكم ما حرم ربكم عليكم، إنني سأتلو عليكم ما أنزل علي ربي من القرآن مما حرم عليكم من الأشياء التي لو فكرتم ستعلمون يقينا أن فيها خيركم وصلاح أمركم، فما أنا إلا بشير ونذير، فكل ما سأتلوه عليكم هو وصية الله إليكم، إنها مجموعة من الوصايا التي أنزلها الله على كل الرسل، فيها جماع الخير للبشر، إنها الوصايا العشر التي جاء بها النبيون من قبلي، (وفي هذه الآية خمس منها)، ولنبدأ مع الوصية الأولى (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ودون الخوض في الشروح النحوية والتي تلتقي في النهاية حول المعنى العام لهذه الجملة، هذا المعنى الذي جاء ليكرس القاعدة الأولى في بناء المنهج القرآني للمجتمع، إنها الوحدانية، الله الواحد الأحد، لا شريك له في ألوهيته ولا في ربوبيته، إنه الخالق الرازق، المحيي المميت، الغني عن خلقه، فهو المستحق للعبادة والاتباع، وهو وحده من له حق التشريع للناس لأنه الأعلم بهم من أنفسهم، فهو خالقهم، فكما أقر البشر منذ البداية أنه ربهم (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا) فعليهم اليوم أن يسلموا له بالألوهية والحاكمية، دون ند أو شريك، أو أي شيئ مما يسميه المشركون (فكلها أسماء لا غير)، إنها الأساس الإيماني المتين لبناء شامخ عظيم جامع لكل فضائل الخير ومكارم الأخلاق لأنها من عند الله. ثم يأتي بعد الأساس بناء اللبنة الأولى في المجتمع البشري، إنها الأسرة المكونة من الأبوين والأبناء، فالآباء بالفطرة التي أوجدها رب العزة فيهما ليسا بحاجة إلى الوصية بأبنائهما، ولكن العكس هو المطلوب، وجاءت الوصية الثانية (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ولم يأت بصورة نهي عن الإساءة إليهما، لأن الله تعالى يريد أن يقول لنا إنه لا يُتَصور أبدا أن تحدث الإساءة من الأساس حتى يكون النهي عنها، بل المعاملة الطيبة هي الأساس، ولكن لا يُكتَفى بذلك بل عليكم أيها الأبناء أن ترتقوا إلى أعلى مستوى في طاقتكم الوصول إليه: إنه الإحسان، ومن العجيب أن هذا الاقتران بين النهي عن الشرك والإحسان للوالدين قد جاء في العديد من السور، تأكيدا لهذا الأمر العظيم عند الله، وذلك لجزيل فضلهما وإحسانهما للأبناء منذ كونهم أجنة في بطون أمهاتهم، بل وهناك ما هو أكثر، فقد جاء في سورة لقمان اقتران شكر الله بشكر الوالدين (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)، فكيف يُتصور الإساءة إليهما؟!! ولهذا فقد ورد في الحديث أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، وعن ابن مسعود قال: سألت رسول الله (ص) أي العمل أحب إلى الله؟ قال: “الصلاة على وقتها”، قلت ثم أي؟ قال: “بر الوالدين” قلت ثم أي؟ قال: “الجهاد في سبيل الل”، فالأسرة القائمة على المحبة والإحسان إلى بعضهم بعضا هي الأساس في قوة المجتمع وتماسكه، بل وتزرع في كل أفراده هذا السلوك الراقي والمهذب تجاه بعضهم بعضا، فيصبح سلوكا جماعيا، ومظهرا راقيا حضاريا باهرا لكل من عاش معه وتعامل معه، إنه منهج الله.

والوصية الثالثة تعالج ظاهرة اجتماعية اقتصادية مقيتة تكرست نتيجة لغياب الأساس الذي تم بيانه في بداية الآية، الربوبية والألوهية، ومؤداه الاعتقاد الجازم أن الله هو الرازق لكل خلقه بما فيهم الأبناء، وقد مارس بعض الكفار هذه الجريمة النكراء، قتل نفس بريئة بسبب الفقر الذي يعاني منه الأب، ويتصور أنه غير قادر على رزقه ويجهل أن الذي خلقه متكفل برزقه، فاين الرحمة المودعة في فطرة هذا الأب لابنائه، لقد طمسها بسبب بعده عن الإيمان بالله، إنه سيؤدي إلى ظاهرة التفكك الأسري، فما مصير هذه العلاقة المقدسة بين أفرادها؟ ماذا سيحدث للأم وهي ترى فلذة كبدها يُقتل دون جريرة أو ذنب؟ ثم تصحح الآية التصور الفاسد عند هذا الأب المرتكب لهذه الفاجعة، فالله هو الرازق لك ولولدك، فلا تخش شيئا، ولن تموت جوعا، فقد تكفل الله لك أنت أولا بالرزق وثانيا لولدك، فلا تفعلوا ذلك بعد الآن، و اللفتة الجميلة أنه ورد نفس الأمر في سورة أخرى بصيغة (خشية إملاق) وهنا جاء الرد القرآني بقول الله تعالى (نحن نرزقهم وإياكم) فالفقر ليس واقعا حالا، ولكنه متوقع مستقبلا لوجود الأبناء، فقدم الأبناء (نرزقهم) وإياكم، فلا خوف على الرزق، فالله هو الرازق.

 وتنتقل الوصية الرابعة من الأسرة إلى المجتمع، فتعرض مقاربة جديدة للمحافظة على الطهارة والنقاء في العلاقات الاجتماعية بين مختلف أفراده ضمن ضوابط منطلقة من الفرد إلى المجموع، (ولا تقربوا) فالمطلوب  من كل واحد من الناس أن يبتعد كل البعد عن كل ما يمكن أن يؤدي إلى (الفواحش)، وهي كل ما أفحش، وتجاوز الحد من الأمور، أو هي الآثام الكبيرة، والكثير من المفسرين يرى أن المقصود هنا هو الزنا، وكل مقدماته من الفواحش، ولقوله تعالى (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) وأرى أنها تعم الزنا وغيىره من الآثام التي تسيئ إلى العلاقات الاجتماعية بين الناس، وتمس طهارة المجتمع، سواء الظاهرة من أعمال الجوارح أو الباطنة من الغل والحسد والتباغض…. فتماسك المجتمع وقوته قائمان على التآخي والتسامح والانسجام بين أفراده، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما سبيلان لعدم الاقتراب من الفواحش.

أما وقد تحقق السلام الاجتماعي على مستوى الأسرة والمجتمع فقد بقي الأمن والأمان ليعمّا الناس، فلا يخشى أحدٌ على حياته أو حياة أحدٍ من أهله، فكانت الوصية  الخامسة تتعلق بتحريم قتل النفس التي حرم الله قتلها بغير حق (والمقصود هنا أي إنسان)، فلا يعتدي أحد على أحد، ويأمن الناس على أنفسهم وعائلاتهم، أما القتل بالحق فيقوم به المجتمع ممثلا بمن يتولى إدارة شئون الناس أيا كان مسماه خليفة، أميرا، ملكا، رئيسا أو غير ذلك، فهو المكلف بالتحقق من وجه الحق في قتل النفس، (ولا يُترك الأمر للناس ليأخذ كلٌ الحقَّ بيده) حتي يتحقق الأمن على الوجه الصحيح، والله تعالى يقول (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). ويكون التعقيب الأخير في هذه الآية على هذه الوصايا الخمس (ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، إنها ما يوصينا به الله لتستقيم حياتنا، لتصلح أحوالنا، وتسمو أرواحنا، وتُبنى الحضارة الإنسانية بأبهى حللها، وتسود أنوارها عموم الأرض، وإذا ما تعمقنا في هذه الوصايا سنجد أنها ترشدنا إلى الخير وتنهانا عن الشر، ترشدنا إلى الفضيلة وتبعدنا عن الرذيلة، ترشدنا إلى سبل القوة وتجنبنا كل أسباب الضعف (َلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

وإلى الآية الأخيرة من هذه المجموعة وإلى الآية 61 من سورة النور: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). تأتي هذه الآية بعد الوصايا الجامعة في الآية السابقة أعلاه، والتي حثَّت على الترابط  الأسري والاجتماعي كما تم بيانه، وهنا يجيء البيان المُفصَّل لجانب من العلاقات الاجتماعية التي عانى بعض المسلمين حرجا فيها، ليؤكد للبشرية أنه دين اليسر والتواد والتراحم، والسمو الأخلاقي والقيمي، والمحافظة على الكرامة الإنسانية لفئة من الناس تقوم المؤسسات الدولية اليوم بسن القوانين، وعمل الجمعيات والمؤتمرات والتعريفات التي يطورونها من آن لآخر، إنها فئة الأشخاص ذوي الإعاقة بعد أن كانوا يُسمَّون (الأشخاص المعاقين)، ويُروى أن هذه الآية نزلت في شأن هذه الفئة من الناس الذين فقدوا بعضا مما أنعم الله عليهم من نعم البصر أو القدرة الحركية الكاملة أو المرضى (يبدو ممن عانى من أمراض مزمنة نسبيا) وكانوا يعانون الفاقة بسبب صعوبة حصولهم على العمل والاكتساب، فكانوا يتحرجون حين يتوجهون لإخوانهم من المسلمين لسد حاجتهم للطعام، ويكون الحرج أشد حين يكون مضيفهم غير قادر على تلبية حاجتهم فيتوجه بهم إلى أحد قرابته، ولذا جاءت هذه الآية لترفع الحرج عنهم وعن مضيفيهم في نفس الوقت، فلا حرج عليهم أن يأكلوا مع إخوانهم سواء من بيوتهم أو بيوت كل الفئات التي ذُكرت ابتداء من الأقارب الأقرب فالأقرب حتى وصل إلى الخالات، ثم أضافت الآية أصنافا أخرى ممن كانت تتحرج كذلك، وهي الفئة التي ملَّكها أصحاب البيوت مفاتحها لسفر أوخروج للجهاد أو لأي أسباب أخرى، فرفعت الحرج عنهم أن يأكلوا من هذه البيوت بالمعروف، وشمل التيسير كذلك الأصدقاء، وجاءت الآية بكلمة (صَدِيقِكُمْ) وهي تستعمل للمفرد أو للجمع، مثل كلمة العدو. جاء رفع الحرج والعنت لأنه من المعروف أن هذه الأصناف من الناس يسعدها أن تلتقي، وتشعركذلك بالحبور والفرحة إذا تزاوروا واجتمعوا على الطعام والشراب والحديث، ويسعدها أن تشعر بالقرب أكثر من بعضها بعضا من خلال رفع التكليف والعيش كأنهم أسرة واحدة إخوانا لم تلدهم أمهاتهم، فالعم والد، والخالة والدة، أما الصديق الصدوق فهو أخ إن لم يكن أقرب، و هكذا تقوى العلاقات الاجتماعية، ويترابط المجتمع، ويشد بعضه بعضا بروابط الإخاء والكرامة، في أمن وسلام. ثم تنتقل الآية إلى جانب آخر وهو رفع الحرج عن حالهم عند تناول الطعام (جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا) سواء مجتمعين أو متفرقين، فرادى أو جماعات، لا بأس في ذلك، وكان بعض الناس (ناس من بني كنانة) لا يأكلون الطعام إلا إذا كان معهم ضيوف، وهذا مما توارثوه من العادات مشددين على أنفسهم، فرُفع الحرج عنهم.

وقد تحدث بعض المفسرين أنه لا حرج أن يأكل الأب من بيت ابنه وذلك استشهادا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أنت ومالك لأبيك” ولكنهم لم يتحدثوا عن بقية الأقارب ورفع الحرج أن يأكل العم والخال من بيوت أبناء إخوانهم أو أخواتهم، وأرى أنه لم يكن هناك ضرورة للبحث عن مبررات من الحديث الشريف أو غيره لإيجاد السبب وراء عدم ذكر بيوت الأبناء (في رفع الحرج عن أكل الآباء منها)، وقد علم الله أنه لا حاجة لذلك، ولهذا لم تأت الآيات للحديث عن هذا الأمر. فالعلاقات الاجتماعية تبادلية في الأساس، فمن يسلم عليك تسلم عليه، ومن يهديك تهدي إليه، ومن يأكل عندك فأنت تأكل عنده، فإذا رُفع الحرج عن الأبناء أن يأكلوا في بيوت الآباء والأعمام والأخوال (كما جاءت به الآية)، فمن الطبيعي ألا يكون حرج في أن يأكل الآباء والأعمام والأخوال من بيت أبنائهم أو أبناء إخوانهم أو أبناء أخواتهم. هذا والله أعلم.

ثم تتحدث الآية عن بيان ثالث، له الأثر البالغ في سمو العلاقة بين الناس عند التقائهم وعند دخولهم لهذه البيوت التي بينتها الآية، (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) إنه الأدب الرفيع في التحية التي تنشر المحبة والبركات والسلام والسلامة بين الناس، وقد ورد في الحديث: “ألا أدلكم على شيئ إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم” وهذه التحية التي تلقيها على أصحاب البيت عند الدخول، وهم في هذه الحالة بمثابة أنفسهم من شدة المحبة والوئام، وذلك بدءا من أهل بيتك إذا دخلت عليهم حتى صديقكم، وبعض العلماء يرى أنه في حال البيت الذي ليس فيه أحد فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

ويرى بعض المفسرين أن ألجزء الأول من الآية (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) ليس مرتبطا بباقي الآية، ولكن الله قد رفع الحرج عن كل فئة في الأعمال التي لا يستطيعون القيام بها نتيجة للحالة التي تعاني منها كل فئة كالجهاد في سبيل الله أو غيره. وماذا بعد هذا البيان والوضوح والتفصيل لآيات الله من حجة لمن لا يفكر ولا يعمل عقله في كتاب الله، أي أدب هذا! وأي سماحة هذه! وأي سمو قيمي هذا! وأي خير وحُسْن وجمال معنوي وأخلاقي هذا! سبحانك ربي ما أعظم نهجك المستقيم وما أعظم كتابك الحكيم، وما أجمل أن نبني مجتمعنا على هديه الحكيم ونشرح صدورنا بتلاوة القرآن المجيد، والذي قال الله فيه (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ).

كتابة: الأستاذ محمود البرهان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *