بيتك

كل ما يهمك وتبحث عنه

الإسلام تفسير القرأن

كلمة الحكمة في القرآن الكريم.. قَبَسٌ مِنْ نُورِ القُران (2)

كلمة الحكمة في القرآن الكريم

منهج حضارة

الجزء الثاني

 

ب‌.        تعليم الرسول الحكمة للناس: البقرة 129، 151، آل عمران 164، النحل 125، الأحزاب 34، الزخرف 63، القمر 5، الجمعة 2.

ومع الآية 129 من سورة البقرة: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)

تأتي هذه الآية في سياق قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام والتي بدأت من الآية 124 من نفس السورة مع البيت الحرام، وما دعوا الله به لذريتهما ولأهل البيت، وكان هذا الدعاء في هذه الآية هو خاتمة دعائهما، وهو مسك الختام.

تبدأ الآية بالنداء (رَبَّنَا) وهو النداء الثالث في هذه الآيات الثلاث على التوالي (127 – 129) مع حذف حرف النداء تخفيفا، وفيه قرب من الله، فهو ليس بعيدا عنهم، والدعاء هنا من إبراهيم وإسماعيل مشتركا بينهما، فهما رسولان من كرام الرسل على الله تبارك وتعالى، وكل إلى قومه الذي عاش بينهم، ولكن هذا الدعاء يتعلق الآن بمن هو آت بعدهم، (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) والضمير هم في كلمة (فِيهِمْ) يعود على أهل البيت الحرام، والذي دعا إبراهيم u ربَّه أن يرزق أهله من الثمرات… بعد أن طهره ليؤمَّه الناس للعبادة، أمَّا الآن فالدعاء أن يرسل فيهم رسولا، وأن يكون منهم، يعرفونه ويعرفهم، يعرفون حسبه ونسبه وخُلُقه، يعرفون صدقه وأمانته، فكانت الاستجابة باجتباء واصطفاء محمد ﷺ من ذرية إسماعيل رسولا في الأمة الأمية من أهل البيت الحرام إلى الناس كافة، أرسله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويواصلان الدعاء (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) هذه مراحل الدعوة إلى الله والتي تبدأ بتبليغ الناس ما أنزل الله على الرسول من الآيات والذكر الحكيم، فهو يتلو عليهم آيات القرآن الكريم كما جاء بها جبريل u ، يصدع بها في وجه صناديد قريش، يتلوها آناء الليل وأطراف النهار، هو ومن آمن معه، ثم ينتقل إلى المرحلة  الثانية من تعليمهم ما جاء في هذا الكتاب الكريم من الأحكام والوصايا والتوجيهات، من السنن التاريخية والاجتماعية، يتنزل القرآن منجما ليسهل على أصحابه التعلم والفهم والفقه، وقال بعضهم يعلمهم الكتابة وهو بعيد، وينتقل بعد ذلك للمرحلة الثالثة وهي تعليم الحكمة، وهي خلاصة الفهم والفقه والتدبر للقرآن الكريم، وهذا هو الرأي الراجح من أقوال المفسرين، ويقول الأستاذ محمد عبده في تفسير المنار: “فسروا الكتاب بالقرآن والحكمة بالسنة والثاني غير مسلم به على عمومه،….ويضيف: وأما الحكمة فهي في كل شيء معرفة سره وفائدته، … وقد بين النبي ﷺ ذلك بسيرته في المسلمين… فإن أرادوا من السنة هذا المعنى في تفسير الحكمة فهو مسلم به، وإن أرادوا بالسنة ما يفسرها به أهل الأصول والمحدثون فلا تصح على إطلاقها…ويضيف: ولن يكون أحد داخلا في دعوة إبراهيم حتى يقبل تعليم الحكمة من هذا النبي الكريم”. ا.ه. ويقول صاحب التحرير والتنوير: – والحكمة العِلم بالله ودقائق شرائعه وهي معاني الكتاب وتفصيل مقاصده – ، ومن أقدر من رسول الله ﷺ على القيام بهذه المهمة العظيمة؟! ومِن بعده، من هم غير العلماء العاملين المخلصين والذين هم ورثة الأنبياء؟!

ثم تأتي المرحلة الرابعة من الدعوة إلى الله وإقامة الأمة المسلمة (وَيُزَكِّيهِمْ ۚ)، هي تزكية النفوس وتطهير القلوب وتصحيح وتقويم السلوك وتهذيب الأخلاق، وهذا يقتضي أن يكون القائم على هذه المهمة من أشرف وأطهر وأسمى الناس نفسا وسلوكا وأخلاقا، إنه رسول الله ﷺ (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) – القلم4 – ، (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) – الشورى52 – ، إنه يصحح السلوك لأبي ذر وهو يقول له: ” يا أبا ذر! أعيرته بأمه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية…” رواه البخاري.، وهو يجيب رجلا سأله الوصية فقال له: “لا تغضب” فردد مرارا، قال: “لا تغضب” رواه البخاري. ومن هنا جاء قوله تعالى (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..) – الأحزاب21 – ، وهكذا كان مجتمع النبي ﷺ هو خير القرون كما جاء في صحيح البخاري : ” خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ…” ويأتي التعقيب الأخير (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، والعزيز هو الذي لا غالب له، وهو ذو المَنعة الذي لا يُرام جانبه، ولا يُذل من لجأ إليه، وهو الذي يَعز من آمن به وتوكل عليه، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) – المنافقون8 – ، وقد وردت في القرآن الكريم 99 مرة: العزيز/عزيز، وقد جاءت متبوعة بكلمة الحكيم/حكيم في 47 آية، لأن العزة والقوة والمنعة تقتضي حسب سياق الآية أن تكون في إطار الحكمة قدرا وزمانا ومكانا، وهو ما الله به أعلم، فهو العليم الحكيم. وقد ناسب ورود اسم العزيز في هذه الآية (والله أعلم) لأن الرسول ﷺ  وهو يمر بمراحل الدعوة التي أشرت إليها أعلاه كان يواجه مشركي قريش ومَن حوله من العرب واليهود والعجم على مدى ثلاثة وعشرين عاما، تعرض خلالها هو وأصحابه لأصناف من الاتهامات والأباطيل والتعذيب والمعارك والحروب ما يستلزم المدد والعون والمساندة والعصمة (وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ) – المائدة 67 – ، إنه هو العزيز الحكيم. هذا هو درب الرسل، وهذا هو درب أتباع الرسل من العلماء والمفكرين والمثقفين في زمن المواجهة مع قوى الباطل التي تحيط بالأمة من كل جانب، (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) – الحج 39 – .

 

وإلى الآية 151 من سورة البقرة: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)

تأتي هذه الآية في سياق تذكير المؤمنين بما مَنَّ الله عليهم من النِعم بعد أن استجاب للدعاء والرجاء الصامت من الرسول الأكرم ﷺ في التوجه إلى الكعبة البيت الحرام في صلاته (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ) –البقرة 144- ، ويذكرهم كذلك باستجابته لدعوة إبراهيم u بإرسال رسولٍ منهم فيهم (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ)، وهذه من أعظم النعم على الناس أن يبعث فيهم رسولا ليخرجهم من الظلمات إلى النور، هو فيهم لأنه ولد في مكة بين أظهرهم، وأبواه كذلك، وأجداده كذلك، فهو لم يأتهم من مكان آخر، فالألفة والتراحم والمصاهرة قائمة بينه وبينهم، وهم يعرفونه حق المعرفة، فهو منهم حسبا ونسبا، وهذه الآية تأكيد لما جاء في الآية السابقة أعلاه (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) والفرق هو في الترتيب، فقد قدم في هذه الآية التزكية على تعليم الكتاب والحكمة، وهذا مما اقتضاه نزول هذه الآية في هذه السورة المدنية، والأمة المسلمة قائمة تتلو آيات القرآن الحكيم، والرسول بينهم يأخذ بأيديهم في كل حين إلى التنفيذ العملي لكل ما جاء فيه من الأوامر والنواهي، و يقوِّم سلوكهم عمليا ولحظيا، مع كونه القدوة في التطبيق العملي لكتاب الله، فكان قرآنا يمشي على الأرض، أما في دعاء إبراهيم فكان الأمر مستقبليا، ويسير حسب الفكرة النظرية التي تم توضيحها في الآية السابقة أعلاه، إنه كتاب الله المعجز في كل آية، وكل التفاتة وكل وصية متناسقة مع مكانها وزمانها، – وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق – كما جاء على لسان الوليد بن المغيرة.

ويقول صاحب التحرير والتنوير: – يعلمكم الشريعة، فالكتاب هنا هو القرآن الكريم باعتبار كونه كتاب تشريع لا باعتبار كونه معجزا، ويعلمكم أصول الفضائل، فالحكمة هي التعاليم المانعة من الوقوع في الخطأ والفساد – . ثم تكمل الآية الامتنان على المؤمنين (وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) والأرجح أن المقصود هنا هو أن الرسول ﷺ يعلم أصحابه والأمة من بعده كل ما جاء في القرآن الكريم من أمور الغيب المستقبلي وخاصة ما يتعلق باليوم الآخر وما فيه من الحساب والجزاء، ومنها ما خفي عنهم من أحوال الأمم السابقة والرسل الذين قصَّ القرآن من أحوالهم ما سمعوا بعضا منه أو لم يسمعوا، ويقص عليهم حقيقة ما كان من بعض الأمم خاصة بني إسرائيل لما حرَّفوه وغيروه وأخفوه في كتبهم، فجاء كاشفا لهم وفاضحا لأحوالهم ومكنونات نفوسهم مما كان له الدور الأهم في إقامة الحجة والانتصار عليهم، وإخراجهم في نهاية المطاف من جزيرة العرب، وتفرقهم في البلاد إلى الوقت المعلوم كما جاء في سورة الإسراء. والتعليم لا يكون بمجرد التلاوة بل باستخلاص العبر من هذه السنن التاريخية، في قيام الأمم واندحارها أو زوالها، في بيان سنن الانتصار والهزيمة، هو الأسوة الحسنة لنا ولأئمتنا وعلمائنا ومفكرينا ومثقفينا في التعلم وتعليم الأمة ما خفي عليها من القوانين والسنن والكنوز التي يشتمل عليها كتاب الله المجيد، والذي لا يأتيه الباطل من بينه يديه ولا من خلفه، فهو تنزيل من عليم حكيم.

 

 

 

وإلى الآية 164 من سورة آل عمران: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)

تأتي هذه الآية في سياق الحديث عن معركة أحد في الآيات التي سبقتها والتي جاءت بعدها، وكأنها جاءت لتسلية الجماعة المؤمنة وللتخفيف عنها، فما حدث مع المؤمنين من أحداث جسام، وآلام وتضحيات، وهزيمة وانكسار، وتولي وفرار من ميدان المعركة، وما كان من معصية أوامر القيادة النبوية من فئة منهم وميلهم إلى الدنيا ومتاعها الزائل، وما أصاب الرسول ﷺ من الجراحات إلى حد الشائعات عن مقتله ﷺ ، هذا كله كان درسا هائلا ومذهلا لبعض من كبار أصحاب النبي ﷺ، وللكثير من الناس الذين كانوا حوله في هذه المعركة، فجاءت هذه الآية لوضع الأمور في نصابها الصحيح، ولإعادة الأمور إلى قواعدها التي يجب أن تستقر في القلوب حتى يعيد لها توازنها، وحتى يكون المنهج القائم على المعايير القرآنية حاضرا دائما نصب أعينهم يقيسون عليه كل ما يمر بهم من الأحداث والأمور.

فقد بدأت هذه الآية بهذا التأكيد على العطاء الإلهي للمؤمنين (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، وعند نزول هذه الآيات من السماء على رسول الله ﷺ كان المؤمنون هم هذه الفئة من المهاجرين من قريش ومن الأنصار من أهل المدينة في الغالب الأعم، وكلهم من العرب من أهل الجزيرة العربية، وكلمة ( مَنَّ ) هنا هي في معنى إيجابي لأنه مِن الله الكريم الحكيم على عباده وهو الغني عنهم، فما هي هذه المِنَّة وهذه المنحة التي جاءت بعد كل ما جرى لهم في هذه المعركة؟؟ (إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، إذاً هي الرسالة السماوية لهذه الأمة الأمية، للعرب من ذرية إسماعيل u ، فالله Y قد اختار رجلا من أطهر وأشرف بيت من بيوت قريش، من مضر من عدنان من إسماعيل u، فهو من أنفسهم، من بينهم، فقد ذكر المفسرون أنه ما من قبيلة من قبائل العرب إلا وفيها نسب من جهة الأم من النبي ﷺ إلا قبيلة تغلب حيث كانت نصرانية، هي أعظم نعمة وأجلُّ شرف للعرب أن يكون الرسول الخاتم، رسول البشرية جمعاء إلى يوم الدين من هذه الأمة العربية، وأن يكون القرآن العظيم بلسانهم، فذِكْر هذه النعمة في هذا الموقف الجلل هو للتسرية عنهم في مصابهم، هو لطمأنة قلوبهم لأنهم ما زالوا يحتضنون خير البشر، و يحملون رسالةً هي الخير لكل البشر، هذا الرسول البشر جاء ليبلغهم ومِن بعدهم كل الناس آيات الله في هذا القرآن الكريم، يتلوها عليهم ويعلمهم إياها وما فيها من الشرائع والمناهج في كل مناحي حياتهم، ويزكيهم ويطهرهم من الدنس والأرجاس، ويأخذ بأيديهم إلى ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة، ويعلمهم ما اشتمل عليه من الحكمة، بلسانه وكلامه وفهمه وفقهه والذي هو الحكمة، وهو ما تم الحديث فيه في الآيات السابقة تفصيلا (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، ولتكتمل المِنَّة والنعمة من الله على هذه الأمة فإنه يذكِّرهم بما كانوا عليه قبل نزول الوحي، وقبل إرسال محمد ﷺ فيهم رسولا (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) وهذه الجملة حالية تصف حال العرب قبل بعثة النبي ﷺ في كلمة موجزة (ضَلَالٍ)، هو الانحراف عن الصراط المستقيم، عن نهج الأنبياء الذين سبقوا في الآباء والأجداد، فكيف إذا كان هذا الضلال (مُبِينٍ) واضحا بينا في ذاته مبينا عن نفسه، في كل شيء من الأفكار إلى السلوك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وقد كان هذا حال العرب في كل الجزيرة العربية، وهو ما أوجزه جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة عندما جاء وفد قريش يؤلبونه على المؤمنين الذين لجئوا إلى بلاده فرارا بدينهم فقال: – أيها الملك: كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله وحده، لنوحده ونعبده، ….وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء…. – هذه صورة موجزة لما كانوا عليه وما دعاهم إليه، والحديث يطول في كليهما، وهذا هو رسول الله ﷺ أكرم الخلق قاطبة على الله، وما أقسم الله U في كتابه العزيز بحياة بشر غيره فقال: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) – الحجر72- ، وما خاطبه باسمه قط، ولكن ب (يا أيها الرسول ، يا أيها النبي) كما خاطب الأنبياء الآخرين، هي أعظم نعمة ومنَّةٍ من الله أن جعل هذا القرآن ذِكْرا لقوم النبي ﷺ (وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ) – الزخرف 44 – ، هو رَفْعٌ لشأنهم مع المسئولية المترتبة على ذلك، وهي أمانة تبليغ الرسالة إلى الناس كل الناس إلى يوم القيامة، وما أعظمها من أمانة، وكما يقول الأستاذ سيد قطب في الظلال: – كان الإسلام بخصائصه هذه هو “بطاقة الشخصية” التي تقدم بها العرب للعالم، فعرفهم، واحترمهم، وسلمهم القيادة. وهم اليوم وغدا لا يحملون إلا هذه البطاقة. ليست لهم رسالة غيرها يتعرفون بها إلى العالم وهم إما أن يحملوها فتعرفهم البشرية وتكرمهم، وإما أن ينبذوها فيعودوا هملا – كما كانوا- لا يعرفهم أحد، ولا يعترف بهم أحد!  – ا.ه

 

 

وإلى الآية 125 من سورة النحل: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)

تأتي هذه الآية في أعقاب الحديث عن أبي الأنبياء إبراهيم u وكونه أمة وحده، قانتا لله حنيفا، والوحي للنبي ﷺ باتباع ملة إبراهيم حنيفا بعيدا عن الشرك، أي اتباع التوحيد. ودعوة التوحيد هي دعوة الأنبياء جميعا، وقد سبقت الإشارة في الآيات السابقة أعلاه إلى دعوة إبراهيم u لإرسال نبي من ذريته وذرية إسماعيل في هذه الأمة القاطنة حول بيت الله الحرام، واستجابة الله Y لهذه الدعوة فكان الرسول الكريم ﷺ خاتم الأنبياء للناس جميعا من أهل مكة الأميين.

تبدأ الآية الكريمة بهذا الخطاب الرباني للنبي ﷺ أن يتوجه إلى قومه ومِن بعدهم للناس جميعا بالدعوة إلى توحيد الألوهية والربوبية (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) – الشعراء 214 – ،، (وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) – سبأ 28 – ، وهي جوهر الدعوة في ملة إبراهيم u ، وهي الدعوة إلى سبيل الله (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ) وكلمة سبيل معناها طريق أو منهج أو صراط، وهي على العموم هنا: دين، ولأن الأمر يتعلق بدعوة الناس كافة فقد أبْهمَ المفعول به للفعل (ادْعُ)، ولأنه للناس كافة فقد جاءت كلمة سبيل مضافة إلى كلمة (رَبِّكَ)، وهو الموضع الوحيد في القرآن الذي أضيفت فيه كلمة سبيل إلى كلمة (رب) لأن الربوبية هي لكل الناس مؤمنهم وكافرهم، وعطاء الربوبية يشمل الجميع، وبالتالي فالدعوة هي للجميع ليتركوا ما هم عليه من ظلمات الشرك ويعودوا إلى رحاب أنوار التوحيد، ثم يبين المولى U طرائق الدعوة إلى سبيله (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ)، أما الأنبياء فقد علمهم الله الحكمة وآتاهم إياها للقيام بهذه المهمة الملقاة على كاهلهم، والقائمة على خلاصة حقائق الكتب المنزلة عليهم: العقدية والعملية، والتي توصلهم إلى أقوال وأفعال الصواب في كل لحظة من حياتهم مع أقوامهم، فلا غلوَّ ولا تفريط، لا قسوة ولا مداهنة، بل القيام بالقسط والحق والعدل والرحمة، أما أتباع الرسل فعليهم بذل الجهود العظيمة لاكتسابها من علوم القرآن وصحيح السنة المشرفة وحقائق وسنن التاريخ والمجتمعات … فالحكمة ضالة المؤمن، وقد وجب عليه التوصل إليها قدر استطاعته للقيام بمهام الرسل التي ورثناها عنهم من خلال الأسوة الحسنة رسولنا الكريم ﷺ ، ثم يأتي دور الموعظة الحسنة التي تحبب القلوب إلى هذا الدين، وإلى التمسك به، فالله يقول لنبيه الكريم ﷺ وهو مَن هو مِن الحكمة (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ) – آل عمران 159-، وقال لموسى u (اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ،،، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) – طه 43 ، 44- ، وقد كان رسول الله ﷺ إذا رأى أو سمع شيئا لا يرضيه من ذنب أو معصية قال: ” ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية” رواه البخاري، أو يُكنِّي في مقالته دون تصريح يجرح الشخص المقصود، وأعظم النصح ما كان بكتاب الله من الآيات الدالة على المقصود من النصيحة، أو بأقوال وأفعال النبي ﷺ ، ثم يأتي دور المجادلة بالتي هي أحسن (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ)، والمجادلة هي من باب مقارعة الحجة بالحجة بلا تعصب ولا مراءاة بالعلم، بل الاهتمام المُنصَب على الحقيقة والحجة والبرهان مع الاحترام الكامل لشخص الطرف الآخر، فهذا رسول الله ﷺ عندما جاءه عتبة بن ربيعة يريد أن يعرض عليه أمورا قال له: “قل يا أبا الوليد أسمع“، فلما سكت عتبة وهو يسمع منه، قال له رسول الله ﷺ : ” أقد فرغت يا أبا الوليد؟” ثم قرأ عليه أوائل سورة فصلت. هذا هو النهج النبوي في المجادلة، وهذا هو نهج الأنبياء قبله، لا ينتصر الواحد لنفسه بل يحب أن ينتصر الحق بالتي هي أحسن. ومن الجميل أن نذكر ما قاله ابن عاشور في التحرير والتنوير مختصرا قدر الإمكان: – ومن الإعجاز العلمي أن هذه الآية جمعت أصول الاستدلال العقلي الحق وهي البرهان والخطابة والجدل، والمُعبَّر عنها في علم المنطق بالصناعات المقبولة. وأما فخر الدين الرازي فيقسم الحجج إلى ثلاثة أقسام: أولها: الحجة المفيدة للعقائد اليقينية وهي الحكمة، وثانيها: الأمارات الظنية وهي الموعظة الحسنة، وثالثها: الدلائل المقصودة لإفحام الخصم وهي الجدل -.         ثم يأتي التوجيه الرباني للمثابرة على الدعوة إلى الله مهما كانت الأعباء ومهما كانت الظروف والصعاب والمعاناة، ومهما كانت النتائج!! (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، فعلم ربك محيط بالحاضر والمستقبل، محيط بمن يستجيب لك فيؤمن بالله ربا وبك رسولا، ومحيط بمن سيبقى على الضلال، عليم بالضالين وعليم بالمهتدين، وهو ما جاء في سورة الأنعام الآية 117 (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، ما عليك إلا البلاغ والاستمرار على الدعوة والصبر عليها، والمثابرة في التبشير والإنذار بالحكمة والموعظة الحسنة، ومقارعة الحجة بالحجة بالتي هي أحسن، وليس بما هو حَسَنٌ، هذا هو منهج الدعوة إلى الله، وفقا لما سار عليه الرسل رضوان الله عليهم ، ووفقا للمنهج العلمي كما قال ابن عاشور والذي يجب اتِّباعه من قِبل ورثة الأنبياء: العلماء والمفكرين والمثقفين الذين يقفون على ثغور الدعوة إلى سبيل رب العزة Y.

 

وإلى الآية 34 من سورة الأحزاب:  (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا)

تأتي هذه الآية في سياق آيات التخيير بين الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والآخرة، ثم خصوصية نساء النبي في العقاب والثواب، ثم تمييزهن عن بقية نساء الأمة في الأوامر والنواهي التي نزلت فيهن أولا، ولنساء الأمة من بعدهن، ثم جاءت هذه الآية بعد الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله وتطهير أهل البيت.

تبدأ الآية بهذا الأمر لنساء النبي ﷺ (وَاذْكُرْنَ)، والمقصود هنا إمَّا ذكر النعمة التي أنعمها الله عليهن بكونهن أزواج النبي ﷺ وما يتنزل عليه في بيوتهن من القرآن الكريم وتلاوته حال نزوله، وما في ذلك من الشرف والكرامة لهن، وإما بمعنى التذكُّر والاتعاظ بالقرآن الكريم وما فيه من الحكمة التي يعلمهن إياها رسوله الكريم ﷺ ، وإما الذِّكر بمعنى كثرة الترديد على اللسان والقلب، فهن لا يفارقن تلاوته وقراءته وتدبر آياته لتعلم الحكمة وما فيها من الأحكام من رسول الله ﷺ ، (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ) والحكمة هي خلاصة معارف وأحكام وسنن ووصايا القرآن الكريم، وقيل هي السنة النبوية الشريفة، رغم أن السياق يتحدث عن التلاوة والقراءة وهي الأقرب للقرآن الكريم، وكذلك فمن تعريف السنة أنها الأقوال والأفعال والتقرير الذي يصدر عن النبي ﷺ ، وأزواج النبي هن من يوصلن للناس ما كان يقوله ويفعله النبي في أبياته معهن، وبالتالي فهي ليست مما يتلى عليهن، بل هي ما يعشنه معه ﷺ ، ويرى بعض المفسرين أن بلاغ القرآن الذي يتنزل عليه في أبياته يَسقُط عنه طالما أنه تلاه في بيته، وأن أزواجه قد سمعنه منه فهن مُكلَّفات بالبلاغ، وهكذا كل من سمع من النبي ﷺ شيئا من القرآن فهو واقع في إطار التكليف، وأرى أن هذا بعيد، لأن الله تعالى قد ذكر في الآيات السابقة أعلاه (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) فالتلاوة والتزكية …قد جاءت جميعا بصيغة الفعل المضارع والذي يفيد الاستمرارية والمواصلة والمثابرة على ذلك، وهو ما فعله الرسول ﷺ حتى الرمق الأخير من حياته، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه علي بن أبي طالب t قال: ” الصلاةَ الصلاةَ ! اتقوا اللهَ فيما ملكت أيمانُكم”، وهذا هو طريق العلماء من بعده ﷺ ، ثم يأتي التعقيب الأخير (إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) وكأنه تعقيب على الآيات السابقة كلها والتي بدأت بآية التخيير (الآية 28) وحتى هذه الآية، فالله لطيف بعباده كقاعدة عامة، وهو ما تفيده الآية لقوله تعالى (كَانَ) والتي تعني الحقيقة الأزلية للطف الله بالخلق كلهم، وعلى الخصوص بأزواج النبي واللائي قد اخترن الله ورسوله على كل متاع الدنيا الزائل، فهو لطيف بهن، يثبتهن ويهدي قلوبهن لما يرضي الله ورسوله، ويشير الشيخ الشعراوي إلى معنى آخر وهو الدقة والصغر، فكلما لَطُف الأمر كان أدق وأصغر وأدق صنعة وإحكاما، فالله لطيف خبير، لأن اللطف يقتضي الخبرة والإحاطة والعلم، وهو مما يستثير في المخاطبين مشاعر الرغبة فيما عند الله، والرهبة منه Y .

هذا هو رسول الله ﷺ، والذي جعله الله الأسوة الحسنة للعالمين، فكانت دقائق حياته حتى في أبياته ومع أزواجه معلومة للناس حتى يكون هو القدوة للبشر، وليكون ذلك تصديقا لنبوته، وللوحي الذي يتنزل عليه، وليكون ذلك أيضا تقريرا للمساواة أمام السنن الإلهية في الحياة الاجتماعية كما غيرها من مجالات الحياة، بلا محاباة ولا مداراة لأحد حتى لو كان ذلك أحب الخلق إلى الله: محمد عبده ورسوله. هذا هو المنهج القرآني الذي ارتضاه الله للناس فلنتخذه دليلا.

 

وإلى الآية 63 من سورة الزخرف: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)

جاءت هذه الآية في سياق الآيات التي سبقتها والتي عرضت لجانب من الحوار (الجدال من طرف مشركي قريش) بين النبي ﷺ ومشركي قريش عندما ضُرِب عيسى بن مريم مثلا، ثم بيان حقيقته للناس وكونه عِلْما للساعة كما يقول بعض المفسرين، ثم جاءت هذه الآية لبيان موقف بني إسرائيل منه u .

بدأت هذه الآية بحرف لمَّا وهي رابطة أو حينية، (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ)، فهو قد أُرسل إلى بني إسرائيل عندما كانوا في أمس الحاجة لهذا النبي ليردهم عما وصلوا إليه من الضلال والغواية، فجاءهم بالآيات البينة الواضحة والتي تم الحديث عنها سابقا في الآية 110 من سورة المائدة، والتي هي دلائل على نبوته وكونه رسولا من عند الله إليهم، أما جوهر الرسالة فهو (قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ)، لقد جاء بالحكمة التي علَّمه الله إياها كما جاء في الآيتين اللتين سبق الحديث عنهما: (آل عمران 48 و المائدة 110)، والتي هي أسمى وأعلى ثمار ما جاء في الكتب السماوية التي سبقته إضافة إلى التي جاء بها (صحف إبراهيم، والتوراة والزبور والإنجيل)، هي الحكمة بكل معانيها اللغوية والاصطلاحية في مواجهة تعنت وصلف بني إسرائيل وانحرافاتهم العقدية والفكرية، جاءهم بالحكمة ليعيدهم إلى جادة الصواب، بالرؤية والرأي الصواب في الوقت الصواب وبالكيفية الصواب، ثم جاءهم إكمالا لمهمة الرسل كلهم (وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ) جاء ليبين لهؤلاء القوم الذين حرَّفوا دينهم وكانوا شيعا، حرفوا الكلم عن مواضعه، وحذفوا من كتابهم جُلَّ ما يشير لليوم الآخر، ليبين بعض ما يختلفون فيه من أمور دينهم ومن أمور دنياهم حسب اقتضاء الحاجات وحسب استعداداتهم (إنها الحكمة)، فالله أعلم بهم وبحاجاتهم، وهو يتَّبع ما يأمره الله به، فهو لا يبتدع شيئا من عنده، وفي مواضع أخرى بَيَّن أنه جاء ليُحِل لهم بعض ما حُرِّمَ عليهم، وفي كل موضع ما يناسبه من البيان، وبعد هذه البينات، وتعليم الحكمة، وبيان المختلف فيه بينهم يأتي التعقيب الأخير (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) تقوى الله تبارك وتعالى وطاعة رسوله u ، وقد سبق الحديث تفصيلا عن التقوى في مبحثين (يتقون، تقوى) فلا حاجة للإعادة هنا، ولكن أود التأكيد مرة أخرى أن هذا هو ما يطلبه كل الرسل من أقوامهم: العبودية الكاملة لله من خلال هذه الكلمات الموجزة التي تبشر في نهايتها بالجزاء العميم من رضا الله ورحمته، ومن دخول الجنة والنجاة من النار.

مرة أخرى هذا هو المنهج الدعوي: بيان الحجة والدلائل على الإيمان بالله، وبيان الحكمة، وبيان الأحكام المتعلقة بتفاصيل الحياة المجتمعية ثم تحصين ذلك كله بتقوى الله وحسن طاعته.

 

وإلى الآية 5 من سورة القمر: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)

سورة القمر في مجملها مكية عدا بعض الآيات التي نزلت بعد معركة بدر، الآية 44 (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ) كما يقول مقاتل، وقد وردت روايات عديدة في سبب نزولها عن انشقاق القمر كما طلب كفار قريش أن يروا آية فيؤمنوا، ولما رأوها استمروا على كفرهم وعنادهم وقالوا سحر مستمر، واتهموا النبي ﷺ بالسحر، وأصروا على اتباع الهوى وتكذيب  رسول الله ﷺ، حتى وصلنا إلى قوله تعالى (وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلْأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) وهي الآية 4 والتي سبقت الآية موضوع هذا البحث، والتي يقول الله تبارك وتعالى فيها إنه قد ضمَّن كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله ﷺ من الأنباء ما فيه من الزواجر لمن كان له قلب مخلص للحق أو عقل سليم يفكر، فالأنباء تحدثت عن الأمم السابقة مع أنبيائها وما حدث لهم عند إصرارهم على الكفر والعناد، ووصفت آيات الله الكونية من السماء والأرض وما فيها من الآيات العظيمة الدالة على جمال وكمال الخالق العظيم، وما اشتملت عليه كتبهم من التشريعات والوصايا الحكيمة، ولهذا قال بعدها (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ) فكل ما يتوصل إليه ذوو الألباب من هذه السنن التاريخية والاجتماعية والآيات والأحكام هو من الحكمة التي وصفها الله تبارك وتعالى هنا بأنها بالغة، فهي من العمق والصواب والصلاح بحيث تصل بصاحبها إلى الصراط المستقيم، وكلمة حكمة هي بدل من كلمة ما الموصولة في الآية السابقة لها (مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ)، أو هي خبر لمبتدأ محذوف تقديره ذلك، ولكن أنَّى لمن ران على قلوبهم ما كسبت جوارحهم من المعاصي والآثام أن ينتفعوا بالحكمة البالغة (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) فهؤلاء لم ينتفعوا ولن ينتفعوا بكل ما جاءهم من التحذيرات والإنذارات على لسان رسولهم الكريم ﷺ، وفيما يتلوه عليهم من القرآن الحكيم، فهم في غيهم سادرون غافلون مكابرون، فقيل إن كلمة مَا هنا إما نافية أو أنها استفهامية بمعنى استنكاري تعجبي، لأن الآيات والنذر كفيلة بإعادتهم إلى رحاب النور والإيمان ولكن على قلوب أقفالها.

 

وإلى الآية 2 من سورة الجمعة: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)

سورة الجمعة هي سورة مدنية، نزلت كما يقول ابن عاشور في العام السادس للهجرة للتأكيد على الأهمية القصوى لهذا اليوم، ولصلاة الجمعة التي يجتمع فيها المسلمون لأدائها وللاستماع إلى المواعظ والحكمة المستقاة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، ولالتقاء المسلمين بعضهم ببعض، فتتآلف القلوب ويتعارف الناس فتقوى علاقاتهم بعضهم ببعض. وقد ورد في سبب نزول الآيات الأخيرة منها (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) الآية 11، أنه بينما كان رسول الله ﷺ قائما يخطب في الناس، إذا بأصوات الدفوف ومنادٍ يخبر عن قدوم عيرٍ فيها تجارة ومتاع، فخرج غالبية مَن في المسجد من الصحابة والمصلين، ولم يبق سوى ما يقارب اثني عشر صحابيا.

وقد سبق الحديث في معنى هذه الآية عند حديثنا عن الآية 164 من سورة آل عمران وكذلك الآية 151 من سورة البقرة، بما يغني عن الإعادة هنا، وسأعرض للفروقات بين هذه الآيات الثلاث حيث ناسب كل منها سياقها في مكانها وسورتها.

فالخطاب في الآية 151 هو خطاب مباشر من الله Y ، وهو غير مباشر في الآيتين 164 و2 من سورة الجمعة.

أما المخاطَب في الآية 151 فهو مجموع المؤمنين على الرأي الراجح دون تصريح بذكرهم، وهم المخاطَبون صراحة في الآية 164، أما في الآية 2 فالمخاطبون هم مجموع الأميين وهم قومه من قريش ومجموع القبائل العربية من حيث كونهم لا يقرؤون ولا يكتبون في عمومهم.

السياق: فالآية 151 كانت في سياق المنِّ غير الصريح على المؤمنين بإرسال رسول إليهم، أما الآية 164 فجاء التصريح مباشرا بكلمة (مَنَّ) على المؤمنين بهذا الرسول، وأما الآية 2 فجاءت في سياق الآية السابقة لها كما سنبين بعد قليل، وهي كذلك لتأليف قلوب العرب من حوله بكون الرسول منهم ولرفع مكانتهم وذكرهم إن آمنوا به وصدقوه.

الأصل والعشيرة: فالآية 151 جاءت بحرفي الجر (فيكم ومنكم) أما الآية 164 فجاءت ب (فيهم و من أنفسهم) بينما الآية 2 جاءت ب (في الأميين و منهم)، إنه كتاب الله المتين المعجز، فلا تكرار هناك، بل جدة ومعنى مضاف في كل مرة.

التعبير عن النبوة: جاءت بكلمة أرسلنا في الآية 151 أما في الآيتين الأخريين فجاءت بكلمة بعث.

التعقيب: في الآية 151 جاء للتأكيد على المزيد من التعليم، وفي الآيتين الأخريين جاء ببيان حالهم قبل البعثة وكان بنفس الكلمات لأنه جاء في سياق مزيد بيان المن والتفضل عليهم.

وللإشارة إلى العلاقة بين الآية الأولى والثانية من سورة الجمعة، أنقل ما ذكره ابن عاشور في التحرير والتنوير:[فصفة “الْمَلِكِ” تعلقت بأن يدبر أمر عباده ويصلح شئونهم، وصفة “القُدوسِ” تعلقت بأن يزكي نفوسهم، وصفة “العَزيزِ” اقتضت أن يلحق الأميين من عباده بمراتب أهل العلم ويخرجهم من ذلة الضلال فينالوا عزة العلم وشرفه، وصفة “الحَكيمِ” اقتضت أن يعلمهم الحكمة والشريعة]. وأود أن أضيف أن تدبير أمر عباده من خلال صفة الملك اقتضى أن يرسل رسولا لعباده من أجل القيام بإصلاح شئونهم. وهكذا نرى أن الصفات الأربع على التوالي والتي وردت في الآية الأولى جاءت متوافقة على التوالي مع المراحل الأربع في الآية الثانية من الإرسال إلى التزكية إلى العزة بالتعليم إلى الحكمة. هذا كتاب الله المعجز أينما نظرت إليه وتدبرته وفقهته وجدته معطاء كريما يفتح آياته وكلماته وحروفه لكل من أخلص القصد والنية. فوجب على المؤمنين أن يتلوه ويتعلموه ويفقهوا أحكامه والحكمة الكامنة فيه ليقوموا بواجب الاستخلاف في الأرض، فيكون ذلك معينا لهم على فهم ذاتهم وفهم الناس وحاجاتهم لهذا الدين ولهذه الحكمة.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *